|
مقالات
حول القدس
القدس بين أهل الحق وأهل الباطل
د.خالد
يونس الخالدي
أستاذ
التاريخ المشارك –الجامعة الإسلامية-غزة
خلاصة
محاضرة ألقيت على عدد من الإعلاميين
والإعلاميات
في مؤسسة القدس الدولية-فرع غزة
بتاريخ8-1-2008م
الحمد لله،
والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
الأخوة
والأخوات الكرام/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بادئ ذي بدء
أشكر الأخوة في مؤسسة القدس الدولية وعلى رأسهم الأخ الفاضل الأستاذ
الدكتور/أحمد أبو حلبية على اهتمامهم بالقدس وتنظيمهم هذه المحاضرات حولها،
كما أشكركم جميعاً على اهتمامكم وحضوركم.
أما بعد:-
يلاحظ
المتأمل في تاريخ القدس منذ أقدم العصور وحتى يومنا هذا أن هذه المدينة
المقدسة هي مركز الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل منذ فجر التاريخ.
وأن كلاً من
أهل الحق وأهل الباطل يتعاقبون على حكمها، فتكون تحت حكم المؤمنين
الموحدين، وتبقى في أيديهم ما داموا ملتزمين بدينهم متمسكين بشريعة ربهم،
فإذا ما انحرفوا عن دينهم وتخلوا عن مبادئهم، وأصابهم الترف والفساد سلط
الله عليهم عدوه وعدوهم، فأخرجهم منها، بعد أن ينزل بهم القتل والتشريد
والذل والهوان، وتظل القدس أسيرة محكومة للباطل ولا تعود إلى أهل الحق مهما
طال الزمن حتى يعودوا إلى ربهم ويلتزموا بدينهم ويجاهدوا عدوهم.
وهذه الحقيقة
يؤكدها تاريخ القدس عبر العصور، وسوف أبينها من خلال النقاط الموجزة
الآتية:-
أولاً:الذي
حكم القدس زمن إبراهيم عليه السلام هم المؤمنون الموحدون، فقد كان حاكمها
هو المؤمن الموحد "ملكي صادق" صديق النبي إبراهيم، وقد حكمها بشريعة الله،
وكان دينهم الإسلام"ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً
مسلماً وما كان من المشركين".
وكان الإمام
في هذه الأرض المقدسة هو إبراهيم ومن بعده عدد من أبنائه وأحفاده المؤمنين
المسلمين، يؤكد ذلك قول الله تعالى:" وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن
قال إني جاعلك لناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي
الظالمين"البقرة124، وقوله سبحانه:"ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلاً
جعلنا صالحين، وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات،
وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين"الأنبياء72-73.
وعندما توجه
يعقوب عليه السلام إلى مصر ومعه عدد من أبنائه ليلتقوا بيوسف عليه السلام
ويعيشوا في مصر ترك يعقوب في بيت المقدس أئمة من أتباعه يحكمونها، وظلت تحت
حكمهم نحو خمسة قرون إلى أن انحرفوا عن دينهم، فسلط الله عليهم قوماً
جبارين من أهل الباطل فسيطروا عليها، ونكلوا بالمنحرفين الفاسدين، وكان
ذلك في زمن رسالة موسى عليه السلام في مصر أي زمن رمسيس
الثاني(1301-1234ق.م).
ثانياً: كلف
الله موسى عليه السلام بتحرير الأرض المقدسة بمن معه من المؤمنين، لأنه لا
يجوز لأهل الحق أن يتركوها مغتصبة في أيدي أهل الباطل، فأمر موسى قومه
بالتوجه إليها بعد أن نجاهم الله من فرعون وجنده، لكنهم رفضوا بحجة أن فيها
قوماً جبارين، وأصروا على الرفض فعاقبهم الله بالتشرد والذل، وهذا مصير كل
من لا يسعى من المسلمين إلى تحرير القدس، أما موسى عليه السلام فقد سأل
الله أن يفرق بينه وبين قومه الظالمين، وأن يموت قريباً من القدس فحقق الله
له ما أراد. ويحكي الله تعالى هذه الحادثة فيقول:"وإذ قال موسى لقومه يا
قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم
يؤت أحداً من العالمين* يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم،
ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين* قالوا يا موسى إن فيها قوماً
جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون* قال
رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه
فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين* قالوا يا موسى إنا لن
ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون*قال
رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين* قال فإنها
محرمة عليهم، أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين".
ثالثاً:
اندثر الجيل الجبان المنحرف من قوم موسى، وخرج جيل مؤمن قاده قائد رباني هو
النبي يوش بن نون، تمكن من تحرير القدس" وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم، ثم
لا يكونوا أمثالكم".
ويلاحظ أن
النصر والتحرير لم يتحقق بكل من ادعى الإسلام، وأنه من أتباع يوشع، بل تحقق
فقط بالفئة القليلة المؤمنة التي لا يشغل قلوب أفرادها أي شيء من الدنيا،
وعن يوشع بن نون وتنقية صفه يحدثنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم في
الحديث الذي رواه البخاري ومسلم فيقول:"غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه:
لا يتبعني منكم رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى
بيوتاً ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر أولادها،
فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس أنت مأمورة
وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه".
رابعاً: ظلت
بيت المقدس في يد الفئة المؤمنة من أتباع يوشع بن نون مدة من الزمن إلى أن
خرج منهم جيل منحرف ظالم، فجرت فيهم سنة الله في المنحرفين الظالمين، إذ
سلط الله عليهم من أهانهم واغتصب أرضهم وسامهم سوء العذاب، وهم جالوت
وجنوده الذين يرجح أنهم الآشوريون" وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاَ بما
كانوا يكسبون"، "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم".
وقد ظلت
القدس في قبضة جالوت وجنوده إلى أن عاد أهل بيت المقدس إلى دينهم، وخرجت
منهم فئة مؤمنة ربانية مجاهدة قادها الملك المؤمن طالوت، وكان من بين جنده
المؤمنين داوود عليه السلام. ولأنه لا يصلح لتحرير القدس إلا الصالحون
الصادقون الأتقياء قرر طالوت أن يمحص صفه وينقيه من ضعاف الإيمان، فاختبرهم
اختبارات عدة، ولم يواجه عدوه إلا بفئة قليلة مؤمنة نجحت في كل مراحل
التمحيص والاختبار، ويصور الله سبحانه هذا التمحيص وما حصل بعده من نصر
لعباده الصادقين فيقول:"ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى، إذ
قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، قال: هل عسيتم إن كتب
عليكم القتال ألا تقاتلوا، قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد
أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم
والله عليم بالظالمين* وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً،
قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال،
قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من
يشاء والله واسع عليم* وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه
سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك
لآية لكم إن كنتم مؤمنين*فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم
بنهر، فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة
بيده، فشربوا منه إلا قليلاً منهم، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه، قالوا
لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من
فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين* ولما برزوا لجالوت
وجنوده، قالوا ربنا أفرغ علنا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم
الكافرين* فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة،
وعلمه مما يشاء، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو
فضل على العالمين* تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، وإنك لمن المرسلين".
خامساً: أقام
داود ومن بعده ولده سليمان عليهما السلام دولة خلافة إسلامية في الشام
وكانت عاصمتها القدس، وزمن قيامها هو القرن السابع عشر قبل الهجرة، ويعد
عصر هذه الدولة العصر الذهبي لبيت المقدس. وما يؤكد إسلامية هذه الدولة أن
الأنبياء كلهم مسلمون، فسليمان عليه السلام عندما دعا بلقيس ملكة سبأ إلى
دينه دعاها إلى الإسلام إذ أرسل إليها يقول:"إنه من سليمان وإنه بسم الله
الرحمن الرحيم، ألا تعلو علي وأتوني مسلمين"، وعندما قررت بلقيس الدخول في
دين سليمان قالت:" وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين"، وقد أكد هذا المفهوم
آيات عديدة منها قول الله تعالى:" ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً
ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين". وما يؤكد أن دولتهما كانت
دولة خلافة قول الله تعالى:"يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض"، وقوله
سبحانه عن داود عليه السلام:" وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على
العالمين"، واعتراف سليمان بعظمة ملكه إذ قال:"وأوتينا من كل شيء إن هذا
لهو الفضل المبين"، وبامتلاكه جيشاً قوياً متميزاً من الجن والإنس" وحشر
لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون"، " والشياطين كل بناء
وغواص".
وقد بنى
سليمان عليه السلام مسجداً هو المسجد الأقصى وليس الهيكل المزعوم، ولا شك
أن المسلمين هم الأولى بهذا المسجد لأنهم الملتزمون بالإسلام دين سليمان
عليه السلام والمقدرون له، بينما كفر به اليهود وضلوا واتهموا نبيهم بأشنع
التهم، وقد جدد سليمان بناء هذا المسجد الذي سبق أن بناه آدم عليه السلام
في المكان نفسه، يفهم ذلك عند الجمع بين قول النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث الذي أخرجه مسلم: :"سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد
وضع في الأرض، قال المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال المسجد الأقصى، قلت: كم
بينهما؟ قال أربعون عاماً..." وقوله في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري
ومسلم:"إن سليمان بن داود عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالاً
ثلاثة: حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله عز وجل ملكاً لا ينبغي لأحد من
بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا
ينهره إلا الصلاة فيه، أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه فأوتيه".
سادساً:
استمر حكم داود وسليمان حوالي ثمانين عاماً، ثم انحرف بنو إسرائيل عن عقيدة
أنبيائهم(الإسلام)، وأخذت زاوية الانحراف تزداد بالتدريج، وانقسمت مملكة
سليمان إلى قسمين شكلا دولتين منفصلتين في كثير من الأحيان، عرفت إحداهما
بمملكة إسرائيل(923-721ق.م)، بينما سميت الأخرى مملكة يهودا(923-586ق.م)،
وقد عانت هاتان الدولتان من الفساد العقائدي والأخلاقي، وانتشر الترف
والانحراف وأدى إلى الضعف العسكري والسياسي.
فتحققت فيهم
سنة الله تعالى التي تحققت فيمن قبلهم من المنحرفين عن منهج الله، إذ سلط
الله على مملكة إسرائيل الملك الآشوري سرجون الثاني فقضى عليها سنة721ق.م
ونقل سكانها إلى حران وكردستان وفارس وساموهم سوء العذاب، وأسكنوا مكانهم
جماعات من الآراميين، كما سلط الله سبحانه على مملكة يهودا نبوخذنصر فقضى
عليها سنة586ق.م وسبى 40ألفاً من أهلها المنحرفين إلى بابل.
سابعاً: أرسل
الله سبحانه عدداً كبيراً من الأنبياء إلى بني إسرائيل المنحرفين، لعلهم
يهتدون ويعودون إلى الإسلام دين أنبيائهم ويستحقون التمكين في الأرض
المقدسة، لكنهم كذبوا أنبياءهم وأساءوا إليهم وقتلوا كثيراً منهم، فاستحقوا
البقاء في الذل والتشرد والعبودية للعديد من الأقوام. إذ تمكن الإمبراطور
الفارسي قورش الثاني من احتلال القدس بعد أن أسقط الدولة البابلية
الكلدانية سنة 539ق.م، وقد أعاد قورش جزءاً من اليهود إلى القدس مكافأة لهم
على مساعدتهم له ضد البابليين، فعاشوا فيها تحت حكم الفرس، ثم خضعت القدس
لاحتلال الإسكندر المقدوني سنة 332ق.م، فعاش اليهود خاضعين لليونان،
وانقسموا وزادت خلافاتهم بسبب تنافسهم على الولاء لحكامهم، ثم خضعت القدس
سنة37ق.م لاحتلال الرومان الذين نصَّبوا عليها هيرودس الذي تهود وقتل
-بتحريض من اليهود- نبي الله يحيى ثم أبوه النبي زكريا، ورمى اليهود مريم
بنت عمران بالزنى، وهموا بقتل عيسى عليه السلام، وظنوا أنهم قتلوه لكن الله
نجاه منهم ورفعه إليه.
ثامناً: ثار
اليهود على الحكم الروماني، انتقاماً من الروم ورغبة في الاستقلال بحكم
القدس، لكنهم فشلوا لأنهم كانوا يكفرون بربهم ويقتلون أنبياءهم، والأرض
المباركة المقدسة لا يمكن أن تحرر إلا على أيدي المسلمين المؤمنين، وقد سلط
الله على اليهود بعد ثورتهم القائد الروماني تيتوس فغزا القدس سنة 70م،
وقتل من فيها من اليهود وسبى ذراريهم وهدم المدينة.
تاسعاً: ظلت
بيت المقدس وأرض الشام في قبضة المحتل الأوروبي(الرومي) حتى قيض الله لها
الأمة المسلمة بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام-رضوان
الله عليهم- فحرروها، إذ تسلم مفاتيحها عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- سنة
16هـ .
ولم ينسَ عمر
أن يوضح للمسلمين معالم الطريق إلى القدس، وسبيل بقائها تحت حكمهم، فقال:"
إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما
تطلبوا العزة بغيره يذلكم الله".
وقبل أن
يغادر بيت المقدس خطب خطبة دفع المسلمون وما زالوا يدفعون ثمناً باهظاً
عندما أهملوها ولم يعملوا بوصيته فيها، إذ قال:" يا أهل الإسلام، إن الله
تعالى قد صدقكم الوعد، ونصركم على الأعداء، وأورثكم البلاد، ومكَّن لكم في
الأرض، فلا يكون جزاؤه منكم إلا الشكر، وإياكم والعمل بالمعاصي، فإن العمل
بالمعاصي كفر بالنعم، وقلما كفر قوم بما أنعم الله عليهم ثم لم يفرغوا إلى
التوبة إلا سُلبوا عزَّهم، وسلَّط الله عليهم عدوهم".
عاشراً: ظلت
القدس في أيدي المسلمين نحو خمسة قرون ينعمون بها وتنعم بهم وبحكمهم لها
على منهج الله، وعندما انحرفوا عن دينهم، وتنافسوا على الدنيا، وكثرت
معاصيهم، ولم يفرغوا إلى التوبة، سلبوا عزهم وسلط الله عليهم عدوهم، فسقطت
سنة 492هـ في أيدي الصليبيين.
وقد سجل
التاريخ على الفاطميين الشيعة وواليهم على القدس افتخار الدولة أنهم هم
الذين تنازلوا عن القدس للصليبيين مقابل تركهم يحكمون مصر وبعض مناطق
الشام، فأمن الصليبيون حاكمهم وحاشيته، وسمحوا بخروجهم آمنين، دون أن
يخوضوا معهم أي قتال، وترك أهل القدس للصليبيين، فقتلوا منهم أكثر من سبعين
ألفاً بينهم الكثير من الفقهاء والعلماء والعباد.
أحد عشر: ظلت
القدس أسيرة في قبضة الصليبيين إلى أن أخذ المسلمون بأسباب النصر، فعادوا
إلى ربهم، والتزموا بدينهم، وزهدوا في الدنيا، ووحدوا كلمتهم على الجهاد في
سبيل الله، وتسلم قيادتهم أمراء ربانيون مجاهدون، فحرروها سنة583هـ/1187م.
يقول ابن
الأثير واصفاً القائد نور الدين محمود بن زنكي الذي حرر معظم الشام وفلسطين
وجهز منبراً للمسجد الأقصى، وأوشك على تحرير القدس، لكنه توفي قبل أن يحقق
أمنيته:" طالعت تواريخ الملوك المتقدمين إلى يومنا هذا، فلم أرى بعد
الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين،
فقد كان حريصاً على أداء السنن وقيام الليل بالأسحار، ينام بعد صلاة العشاء
ثم يستيقظ في منتصف الليل، فيصلي ويتبتل إلى الله بالدعاء حتى يؤذن الفجر،
كما كان كثير الصيام".
ويتحدث ابن
كثير عنه فيقول:" قرأ عليه بعض طلبة الحديث حديثاً مسلسلاً بالتبسم، فطلب
منه أن يبتسم ليصل التسلسل، فامتنع من ذلك وقال: إني لأستحي من الله أن
يراني مبتسماً والمسلمون يحاصرهم الفرنج بثغر دمياط".
ويقول ابن
شداد واصفاً صلاح الدين الأيوبي الذي تحررت القدس على يديه وأيدي جنده
المؤمنين:" حسن العقيدة، كثير الذكر، شديد المواظبة على صلاة الجماعة،
ويواظب على السنة والنوافل ويقوم الليل، وكان يحب سماع القرآن وينتقي
إمامه، وكان رقيق القلب خاشع الدمعة، إذا سمع القرآن دمعت عيناه، شديد
الرغبة في سماع الحديث، كثير التعظيم لشعائر الله".
وعلى طريقة
يوشع بن نون وطالوت وغيره من القادة المؤمنين الذين حرروا القدس، لم يقبل
صلاح الدين في صفه عاصياً، وعندما تفقد جيشه قبيل معركة حطين وسمع القرآن
يتلى من جميع الخيام باستثناء خيمة واحدة أشار إليها وقال: من هنا تأتينا
الهزيمة، وطرد جنود هذه الخيمة من جيشه.
اثنا عشر:
سقطت عاصمة الخلافة الإسلامية بغداد في قبضة المغول سنة656هـ، بسبب انحراف
الخليفة المستعصم وانشغاله باللهو، وتسليم مقاليد الحكم إلى الوزير الشيعي
ابن العلقمي الذي تآمر مع المغول على تسليمهم بغداد مقابل تسليم الشيعة حكم
العراق، فسرح جيش بغداد الذي كان يتكون من مائة ألف جندي ولم يبق إلا عشرة
آلاف، وقطع عنهم الرواتب فصاروا يتسولون في الشوارع، وعندما وصل جيش المغول
إلى مشارف بغداد، تظاهر ابن العلقمي بأنه يريد الخروج لمفاوضة هولاكو فإذن
له الخليفة، واتفق الوزير الخائن مع هولاكو أن لا يدخل بغداد إلا بعد أن
يأتيه بالخليفة وأهل بيته وكل قادة ووجهاء بغداد ليقتلهم، وعاد ابن العلقمي
إلى الخليفة ليخبره أن هولاكو لا يريد أن يعود إلا إذا قبل الخليفة أن يزوج
ابنه من ابنة هولاكو، ففرح المستعصم بذلك ووافق على مطلب هولاكو، وعندئذ
طلب ابن العلقمي أن يخرج جميع قادة ووجهاء بغداد ليحضروا حفل الزواج،
فأمرهم الخليفة بالخروج، وخرج الخليفة وأهل بيته ونحو خمسة آلاف من القادة
والوجهاء فقتلهم هولاكو جميعاً، وعندما أراد قتل المستعصم نهاه المنجمون عن
ذلك، بحجة أن الخليفة ابن عم الرسول(صلى الله عليه وسلم) وأن إراقة دمه
ستؤدي إلى زوال ملكه، فامتنع هولاكو عن قتله، لكن العالم الشيعي نصير الدين
الطوسي وابن العلقمي أقنعا هولاكو بأن الكثير من أقرباء النبي قتلوا ولم
يحصل لمن قتلهم شيء، وأرشداه إلى طريقة تقتله دون أن ينزف دمه، فوضعه
هولاكو-حسب نصحهم- في كيس وأمر الجنود بركله بالأقدام، ثم أمر بأن تدوسه
الخيل بسنابكها، وقد شهد هذان الخائنان عملية القتل وأظهرا الشماتة في
المستعصم، ودخل المغول إلى بغداد وقتلوا نحو مليون مسلم سني من أهلها،
وتعاون معهم شيعة العراق، وشاركوا في المذابح وكانوا يركزون على العلماء
مثلما فعلوا وما زالوا يفعلون اليوم في العراق الذي شجعوا الأمريكان على
غزوه، ودخلوه معهم على ظهور الدبابات الأمريكية، وعملوا جنوداً تحت إمرتهم،
وقتلوا عشرات الألوف من السنة واغتالوا آلاف العلماء، مقابل حكم هزيل عميل.
ثلاثة عشر:
زحف المغول إلى بلاد الشام التي كان أهلها وحكامها وقتئذ منحرفين مترفين
عابثين متصارعين، وفرَّ الأمراء عن دويلاتهم الهزيلة وتركوا شعوبهم بلا
قيادة، ويروى أن أحد هؤلاء الأمراء أراد أن يتقرب إلى هولاكو ويؤكد له حسن
الولاء، فبعث إليه بهدية وهي حذاء مكتوب أسفله اسم ذلك الأمير، ومعه رسالة
يقول فيها: إنه فعل ذلك لكي يتشرف عندما يدوس هولاكو على اسمه، وقد تمكن
المغول من احتلال الشام دون مقاومة تذكر، وعندما وصلوا إلى غزة بعث هولاكو
برسالة إلى حاكم مصر سيف الدين قطز يقول فيها:"اتعظوا بغيركم، وأسلموا
إلينا أمركم، فنحن لا نرحم من بكى، ولا نرق لمن شكا، أي أرض تؤويكم ؟ وأي
طريق تنجيكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا
مناص، الحصون عندنا لا تمنع، والعساكر لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا
يسمع".
ولسوء حظ
هولاكو وجنوده فقد كان قطز حاكماً مؤمناً ربانياً زاهداً مجاهداً، أمر بقتل
رسل هولاكو، واستدعى عالم مصر العز بن عبد السلام، وطلب منه أن يحرض الناس
على الجهاد، وقام العلماء بدورهم، وتحمس الناس للجهاد في سبيل الله،
وتكوَّن جيش مؤمن قرر قائده قطز أن يكون شعاره: "وا إسلاماه"، وأن يخرج
الجيش لملاقاة المغول، وأن يحرروا الشام وفلسطين من دنسهم، ودارت معركة عين
جالوت، في ( 25-رمضان-658هـ/6-سبتمبر-1260م) وهزم المغول لأول مرة في
تاريخهم، وتحررت فلسطين بعد خمسة أشهر فقط من احتلالها، لتخرج الأمة بدرس
كبير وهو أن التحرير لا يتأخر عندما يواجه الأعداء بجيش مؤمن يقوده قائد
رباني يأخذ بكل أسباب النصر الممكنة، وعندما يقوم علماء الأمة بدورهم في
التحريض والبناء والجهاد.
أربعة عشر:
ظلت بيت المقدس في أيدي المسلمين وكان آخر من حكمها العثمانيين، وقد حافظ
عليها القادة المؤمنون المجاهدون، وكان آخرهم السلطان عبد الحميد الذي عرض
عليه اليهود أموالاً ضخمة تحل كل مشكلات الدولة العثمانية، مقابل أن يمكنهم
من إقامة وطن لهم في فلسطين، فرفض رفضاً قاطعاً وقال:" لا أقدر أن أبيع ولو
قدماً واحداً من البلاد، لأنها ليست لي، بل لشعبي، ولقد حصل شعبي على هذه
الإمبراطورية بإراقة دمائهم، وقد غذوها فيما بعد بدمائهم، وسوف نغطيها
بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا"، لكن المنحرفين عن دينهم من
العلمانيين والقوميين في حزب الإتحاد والترقي، تآمروا عليه وخلعوه ومنحوا
وباعوا الكثير من أراضي فلسطين لليهود.
أما
المنحرفون من العرب فقد وقفوا مع الإنجليز ضد العثمانيين، وصدَّقوا وعود
بريطانيا لهم بأنها ستقيم للعرب دولة عربية كبرى يحكمونها بأنفسهم، فتمردوا
على العثمانيين وصاروا يقتلون جنودهم المنتشرين في ديار العرب خدمة
لبريطانيا، واستقبلوا بالورود الجيش الإنجليزي عندما احتل القدس
في9-ديسمبر-1917م. وظل هؤلاء المنحرفون إلى يومنا هذا يرجون النصرة والعون
والتحرير من الإنجليز وإخوانهم الأمريكان، ويرون أن لا حل لمشكلات العرب
والمسلمين إلا باتباع المناهج الغربية وتقليدهم حتى في أساليب حياتهم
الشاذة المنحرفة، بالرغم من أن الإنجليز قد أعلنوا عن نواياهم منذ اليوم
الأول الذي دخلوا فيه إلى القدس، حيث وقف قائدهم ألنبي ليقول في أول تصريح
له من القدس:" اليوم انتهت الحروب الصليبية"، وبالرغم من أن القائد الفرنسي
غورو قد وقف على قبر صلاح الدين وركله بقدمه وقال: "ها قد عدنا يا صلاح
الدين"، وبالرغم من أن بريطانيا قد مكنت لليهود في فلسطين، وبالرغم من
المذابح التي ارتكبتها أمريكا وما زالت ترتكبها في العراق.
وقد وصل
أصحاب هذه القناعات بمساعدة أعداء الأمة والدين إلى الحكم في معظم ديار
المسلمين، ولم يفعلوا شيئاً يستحق الذكر لتحرير القدس وفلسطين، فقد كانت
حروبهم تمثيلية شكلية دخلوها بهدف أن يُهزَموا، ويقنعوا شعوبهم أنهم لم
يقصروا، وأنهم لا قبل لهم باليهود، وأنه لا بد من الاعتراف بدولتهم والسلام
معهم، وعندما تحركت الشعوب والحركات الإسلامية لمحاربة إسرائيل عبر الحدود
الواسعة للعرب معها، منعها هؤلاء الحكام وصارت المهمة الوحيدة لجيوشهم هي
حراسة الحدود لليهود، وقمع كل من يحاول أو يفكر في تحرير القدس، فامتلأت
سجونهم بالعلماء والمجاهدين والشرفاء، وقد كان تحرك الإسلاميين مبكراً فقد
أرسل الإمام الشيخ حسن البنا برقية إلى الزعماء العرب المجتمعين في جامعة
الدول العربية في 3-أكتوبر-1947م يقول فيها: إنه قد جهز عشرة آلاف من
الإخوان المسلمين بأسلحتهم كدفعة أولى، ويطلب السماح لهم بالدخول إلى
فلسطين لتحريرها من اليهود، لكن حكام العرب رفضوا، فاضطر للتحايل عليهم، إذ
تظاهر عدد من الإخوان بأنهم يرغبون في الذهاب إلى سيناء من أجل رحلة علمية،
ومن هناك تسربوا بأسلحتهم إلى فلسطين، ومع كثرة الإلحاح على جامعة الدول
العربية سُمح لعدد آخر من الإخوان بالدخول ولكن تحت قيادة الجيوش العربية
النظامية، وعندما لاحظ اليهود البلاء الحسن للإخوان شكوا إلى أصدقائهم
الإنجليز، فصدرت الأوامر إلى قادة الجيش المصري بتجريد الإخوان من أسلحتهم،
ووضعهم في المعتقلات، ونفذت الأوامر، ثم سيق الإخوان مكبلين من معتقلاتهم
في جنوب غزة إلى سجون مصر، حيث عُذِّبوا وحوكموا، ولا تهمة لهم إلا جِدُّهم
وإخلاصهم في قتال اليهود، ثم صدرت الأوامر من ملك مصر فاروق باغتيال البنا،
فأطلق عليه الرصاص في 12-فبراير-1949م، ومُنع الأطباء من إسعافه بعد أن وصل
بنفسه إلى المستشفى، فظل ينزف إلى أن استشهد-رحمه الله- .
لك الله
يا أقصى تقنعت باكيـــــاً وكل صناديدِ الرجال
أسيــــرُ
بكيتَ
وأيدي الجاهليات تلتقــي عليك وعجلٌ السامريِّ يخورُ
يدير
رحاها ألف كسرى وقيصرٍ وألف حيّيٍّ للمديرِ
مديــــــــرُ
خمسة عشر:
قاد الإسلاميون في فلسطين حركة الجهاد والمقاومة ضد الاحتلال، فقد أسس
الشيخ أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى مع عبد القادر الحسيني سنة
1935م منظمة الجهاد المقدس، وأسس الشيخ عز الدين القسام سنة1928م المنظمة
الجهادية، واستشهد على يد الإنجليز سنة1935م، وفجر أتباعه ثورة 1936م التي
هزت الوجود البريطاني في فلسطين واستمرت حتى سنة 1938م، وقد قاموا ضد
بريطانيا بآلاف العمليات العسكرية ولم تستطع بريطانيا إيقافها إلا بعد أن
استخدمت الطائرات والدبابات وسدس جيشها الإمبراطوري.
ستة عشر:
انكشف زيف الحكام المنحرفين، فأعلنوا صراحة أن السلام مع الصهاينة المحتلين
لبيت المقدس خيار استراتيجي، وأعلنوا عن مبادرات تنازلوا فيها عن القدس
واعترفوا فيها بإسرائيل، ووقعوا مع اليهود الاتفاقيات التي تضمن عدم
قتالهم، ومحاربة كل من يحاربهم أو يفكر في مقاومتهم.
وطبَّعوا
علاقاتهم مع اليهود المحتلين، وتبادلوا معهم الزيارات والقبلات والسفارات،
وصار الصهاينة يتجولون آمنين محروسين في شوارع وعواصم هؤلاء الحكام.
كما ثبت فشل
كل الحركات العلمانية التي سلكت للتحرير سبلاً بعيدة عن شرع الله تعالى، إذ
أن زعماء كبرى هذه الحركات قد اعترفوا بدولة الصهاينة، وتعهدوا بوقف
المقاومة، وبذلوا جهوداً مخلصة جادة في اعتقال المجاهدين، وسلموا كثيراً
منهم للصهاينة، وأقاموا أجهزة أمنية لا هدف لها إلا خدمة الاحتلال
الصهيوني، وأمدهم الصهاينة والأمريكان والأوربيون بالمال والسلاح
والتجهيزات.
سبعة عشر:
انبرت الحركات الإسلامية في فلسطين لجهاد الصهاينة، وقد التف حولها معظم
الفلسطينيين بعد أن تبين لهم زيف الأنظمة الرسمية، وفشل جميع الحركات
العلمانية، ففجرت الانتفاضة سنة1987م، وقادت الجماهير، وأدخلت إلى ميادين
الجهاد رجالاً لم يعهد الاحتلال مثلهم من قبل، وتطورت الانتفاضة على أيدي
المجاهدين من مرحلة الحجارة إلى السكاكين، ثم إلى إطلاق النار، ثم إلى
العمليات الاستشهادية، ثم إلى الصواريخ، وما زال جند الإسلام، أتباع محمد
صلى الله عليه وسلم وأهل الحق يواصلون جهادهم، ويقضون مضاجع أعدائهم، ولا
تلين لهم قناة، بالرغم من بطش عدوهم، وكثرة عدد شهدائهم، والحصار الشديد
المفروض عليهم، وخذلان الأنظمة الرسمية لهم، وتآمر بعض أبناء جلدتهم من أهل
الباطل عليهم.
تلكم أيها
الكرام قصة الصراع على القدس بين أهل الحق وأهل الباطل منذ فجر التاريخ
والتي يتبين منها بجلاء معالم الطريق إلى قدسنا المغتصب، فهل من معتبر؟!
أشكركم على
حسن استماعكم، وأسأل الله أن ينفعكم بما سمعتم.
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته
أعلى
الصراع على القدس
د. هيثم الكيلاني
صحيفة الاتحاد الإماراتية 20/11/2005
حدد المجرمون الصهاينة تاريخاً جديداً لاقتحام المسجد الأقصى وبناء الهيكل
الثالث محله. وقد أعادت هذه التهديدات المتجددة قضية القدس والأماكن
المقدسة إلى مستويات إعلامية وشعبية محددة باعتبارها جوهر الصراع القائم
بين الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية وبين الكيان الصهيوني.
إن
وقفة آلاف المسلمين الفلسطينيين ضد محاولات تدنيس المسجد الأقصى وإقامة
الهيكل الثالث المزعوم مكانه تبشر باستمرار انطلاقة انتفاضة الشعب
الفلسطيني الثانية التي اندلعت في أواخر سبتمبر 2000، والتي حملت اسم
المسجد الأقصى، دفاعاً عنه حين دخله رئيس الوزراء أرييل شارون ومعه آلاف من
الجنود الصهاينة.
شارون يدعي اليوم أنه يبذل جهوداً كبيرة لمنع المتطرفين اليهود من احتلال
المسجد الأقصى لأنه (يخاف من ثورة إسلامية) قد تُطيح ليس بحكومته فحسب،
وإنما بكيانه الذي أذلته تضحيات الشعب الفلسطيني ومجاهديه ودفعه إلى تقرير
انسحاب أحادي الطرف من قطاع غزة في منتصف شهر سبتمبر الماضي.
وقد يكون هذا المقال استباقاً لأي مفاوضات قد تجري في المستقبل حول قضية
القدس ومصيرها بعد أن أعلنت "إسرائيل" ضمها إليها وجعلتها عاصمة موحدة
أبدية لها ونقلت إليها كل مظاهر العاصمة ولم يأل الكونغرس الأميركي جهداً،
فدعم "إسرائيل" في دعواها حينما أقر أنه يعتبر السفارة الأميركية منقولة من
تل أبيب إلى القدس في مدة لا تزيد على 180 يوماً من اعتراف "إسرائيل"
بالدولة الفلسطينية، وقد جعلها الرئيس جورج بوش الابن تفاوضية في (خريطة
الطريق) فنص على حلها في العام 2006، وذلك بأن تعقد اللجنة "الرباعية"
مؤتمراً دولياً ثانياً لإقرار حدود القدس ودعم التقدم نحو تسوية شاملة في
الشرق الأوسط بين كل من لبنان و"إسرائيل" وسوريا و"إسرائيل"، ويتم التوصل
النهائي إليهما بأسرع وقت ممكن، على أن تكون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية
أو عاصمة موحدة وأبدية لـ"إسرائيل". وقد جعلها الرئيس بوش الابن تفاوضية،
وذلك تشجيعاً للطرف الفلسطيني على التساهل في شؤون الأسرى والمعتقلين
والانسحاب من الضفة الغربية مقابل احتلال القدس والمسجد الأقصى إرضاء
للمتطرفين اليهود وإلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
وإذا كان الخميني قد حدد الجمعة الأخيرة من شهر رمضان لتكون اليوم العالمي
للقدس، فإنما قصد إلى إحياء قضية القدس في أذهان ونفوس مسلمي العالم لإطلاق
حركة فاعلة للدفاع عن هذه القضية أمام هجمات المتطرفين اليهود، فتحل
المشكلة التي لم تستطع القرارات الدولية والعربية حلها. فهذه القرارات
الدولية لم تنفع أهل القدس منذ أن بدأت بالصدور عن الجمعية العامة ومجلس
الأمن وحتى اليوم سوى أنها قامت بتثبيت الحق.
إن
الصراع على القدس بين الشعب الفلسطيني و(الإسرائيليين) يستقي جذوة استمراره
من الطبيعة البنيوية للقدس. فهي في مشروع الدولة الفلسطينية المتمسك في
الوقت ذاته بالمطالبة بالقدس الشرقية بما فيها الأماكن المقدسة المسيحية
والإسلامية، حجر الزاوية لعاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة، كونها تمثل
المركز التجاري والمالي في الاقتصاد الفلسطيني وحلقة الوصل بين شمالي الضفة
الغربية وجنوبيها. واستمرار بقائها تحت الاحتلال الإسرائيلي يعني تقسيم
الضفة إلى جزأين منعزلين وهو ما يعني فشل مشروع أي دولة فلسطينية مستقبلية.
كما أن تلك الدولة ستكون فاقدة الشرعية والمضمون بدون القدس الشرقية حيث
توجد الأماكن المقدسة المسيحية والإسلامية وهو ما يرفضه المسلمون
والمسيحيون الفلسطينيون.
ويرمي المشروع الصهيوني إلى أن القدس أدت دوراً كبيراً في تجميع اليهود في
فلسطين وإعادة بناء الدولة وتوطيد دعائمها وتدّعي "إسرائيل" أن تخليها عن
احتلالها القدس وتحديداً البلدة القديمة، حيث تزعم وجود الهيكل، سيؤدي إلى
تلاشي عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل التي تتعامل مع أي مكسب عربي على أنه
مباراة صفرية، أي أنه يمثل خسارة لإسرائيل وتهديداً للأمتين الإسلامية
والعربية. وعليه فإن الارتباط العضوي لقضية القدس بالدولة الفلسطينية
المنشودة يبدو أكثر منطقياً بالارتباط العضوي بالاحتلال الإسرائيلي المعتبر
احتلالاً.
أعلى
تقرير "فريق الأزمات الدولي"
نقطة الصفر في...
القدس
رنده حيدر
صحيفة النهار اللبنانية 12/9/2005
أصدرت مجموعة "إنترناشونال كرايسز غروب" (International
Crises Group)
وهي منظمة مستقلة غير ربحية متعددة الجنسية مركزها بروكسل، تقريراً في شهر
آب الماضي بعنوان "القدس... برميل بارود" عرضت فيه الأخطار المحدقة بمستقبل
مدينة القدس والتي تهدد جدياً إمكانية قيام دولة فلسطينية جنباً إلى جنب مع
دولة "إسرائيل" في حال استمرت الحكومة الإسرائيلية الحالية في تنفيذ أعمال
البناء في المناطق المتاخمة لمستوطنة معاليه أدوميم بهدف ربطها بمدينة
القدس واستكمال أعمال البناء في جدار الفصل بصورة تصبح فيها كل كتل
المستوطنات الإسرائيلية الكبرى في الضفة داخل "إسرائيل".
تقوم أهمية التقرير على استناده بصورة أساسية على العمل الميداني وعلى كمية
شهادات ومقابلات أجراها مندوبو المجموعة مع مسؤولين ومواطنين إسرائيليين
وفلسطينيين وليس فقط على عمل أرشيفي وبعد العودة إلى المصادر الأساسية في
هذا الشأن.
وجمع التقرير بين العمل التأريخي لا سيما في الفصلين الأول والثاني حيث جرى
استعراض تاريخ مدينة القدس وأهميتها لدى الأديان الثلاثة ثم كيفية التعاطي
مع موضوع مستقبل المدينة في المفاوضات السياسية التي جرت بين الطرفين
الإسرائيلي والفلسطيني أثناء المفاوضات السياسية؛ إلى جانب العمل التحليلي
الذي ظهر بصورة واضحة في الفصل الثالث الذي تناول النتائج والمضاعفات
السياسية لتطورات موضوع القدس على المكانة السياسية لرئيس السلطة
الفلسطينية محمود عباس والتهديدات الناتجة عن ذلك على الحل الدائم للنزاع
وعلى "إسرائيل" في آن معاً.
هذا إلى جانب التوصيات التي توصل إليها واضعو التقرير والتي وجهوها إلى
الحكومة الإسرائيلية والى حكومة الولايات المتحدة وأعضاء اللجنة الرباعية
وعكست إلى حد ما موقف المجموعة الذي يدعو الحكومة الإسرائيلية بحزم إلى وقف
البناء في المستوطنات كما نصت عليه خريطة الطريق والامتناع عن بناء أية
مستوطنة أو أحياء يهودية في القدس الشرقية وعدم توسيع مستوطنة معاليه
أدوميم، ومراعاة ألا يتعارض مسار جدار الفصل مع القانون الدولي وألا يمر
خارج حدود 1967 وألا يخلق حقائق سياسية جديدة على الأرض من شأنها تغيير
الوضع النهائي لمدينة القدس.
أما من أهم التوصيات التي توجهها المجموعة إلى اللجنة الرباعية فيمكن
تلخيصها بضرورة استمرار الضغط الدولي على "إسرائيل" لاحترام تجميد البناء
في المستوطنات وعدم المساس بوضع مدينة القدس.
صدور التقرير في هذا الوقت بالذات أي بعد تنفيذ خطة فك الارتباط في غزة
يكتسب دلالة خاصة لأنه يحاول أن يلفت انتباه الرأي العام الدولي إلى
محاولات أرييل شارون توظيف التأييد الدولي الذي حصده بعد انسحابه من غزة من
أجل تسجيل وقائع جديدة على الأرض ذات صلة بمستقبل مدينة القدس وحدود الدولة
الفلسطينية العتيدة.
ولقد أوضحت خلاصة التقرير ذلك فقد جاء فيها: "لأسباب يمكن فهمها اختار
المجتمع الدولي التركيز على الانسحاب من غزة على حساب كل شيء آخر يتعلق
بالساحة الإسرائيلية الفلسطينية. وظلت الولايات المتحدة على وجه الخصوص
متلكئة جداً في انتقاد سياسات رئيس الوزراء شارون بينما هو يجازف كثيراً
سياسياً وشخصياً ويواجه تهديداً جاداً من اليمين. وعلى الرغم من تفهم هذا
الموقف إلا أنه موقف قصير النظر ومحفوف بالمخاطر. فلقد كانت القدس وستبقى
برميل بارود".
ويعدد واضعو التقرير الأسباب التي ستشكل حتماً سبباً لتفجير هذا "البرميل"
وهي: بناء الجدار حول مدينة القدس بصورة يمتد فيها إلى عمق الضفة الغربية،
توسيع المستوطنات القديمة وبناء الجديد منها، محاولات ربط معاليه أدوميم
بإحكام أكبر بالقدس، هدم البيوت في القدس الشرقية، فصل حوالي 20000 فلسطيني
عن بيئتهم الطبيعية، بحيث يخسر الفلسطينيون القدس الشرقية كعاصمة متجانسة
متماسكة وقادرة على الاستمرار.
المهمة الأساسية التي ركز عليها واضعو التقرير هي تنبيه الرأي العام الدولي
والمسؤولين إلى ضرورة عدم السكوت أو التساهل مع أي مسعى "إسرائيلي" جديد
يرمي إلى معاودة البناء في المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية وتغيير
وضع مدينة القدس.
ومما يعطي قيمة خاصة لهذه التحذيرات والتنبيهات أنها لا تصدر عن جهات
عربية ولا انطلاقاً من دوافع أيديولوجية بقدر ما تأتي عن جهة دولية
احترافية مثل "كرايسز غروب" يتولى فيها مسؤوليات مختلفة عدد من الشخصيات
ذات التاريخ في العمل الدبلوماسي والسياسي، ومن جنسيات مختلفة بينها شخصيات
إسرائيلية مثل ايتمار رابينوفيتس وزير خارجية "إسرائيل" أثناء المفاوضات مع
سوريا.
يتوقع التقرير أن تكون المرحلة المقبلة من النزاع مرحلة جمود سياسي وشلل
دبلوماسي لا سيما في ظل التخوف من الفوضى التي قد تثيرها الخلافات بين
"فتح" و"حماس" و"الجهاد الإسلامي" والنزاعات السياسية في الانتخابات
النيابية الفلسطينية التي من المنتظر أن تجري في 20 كانون الثاني المقبل.
إلى جانب الصعوبات التي يواجهها أرييل شارون داخل حزبه واحتمال خسارته
رئاسة الحزب والدعوة إلى انتخابات مبكرة في "إسرائيل" مما سيجعل عام 2006
عام الانتظار فتفقد العملية السلمية في المنطقة الكثير من زخمها، وفي حال
استغلت الحكومة الإسرائيلية الوقت لاستكمال أعمال البناء في المستوطنات
وتوسيعها وإفراغ القدس الشرقية من سكانها وقطع الواصل السكاني والجغرافي
بين الفلسطينيين من سكان الضفة وغزة والقدس الشرقية فمعنى ذلك العودة
بالنزاع من جديد إلى نقطة الصفر.
أعلى
مسرى النبي وموطن العهدة العمرية
بقلم: د. عبد الله التطاوي- نائب
رئيس جامعة القاهرة
صحيفة الأهرام 28/6/2005
لو
لم يكن للقدس الشريف في حركة التاريخ سوى هاتين النسبتين لكفاه مهابة
ومنزلة أن يظل من أشرف بقاع الأرض التي تشد إليها الرحال، بما يوجب الذود
عنها في مقاصد تحريرها من أي من صور الدنس، أو محاولة الامتهان التي تمس
شيئاً من عروبتها وقداستها الإسلامية والمسيحية على توالي حقب الزمان ومر
الدهور.
شرفها الله بأن تكون الملتقى الديني الوحيد لأسرة أنبيائه الكرام - عليهم
السلام - ممن أرسلهم رحمة للعالمين مبشرين ومنذرين لإخراج البشرية من غياهب
الظلام إلى نور اليقين الذي تماثلت حوله الثوابت والأصول، والتقت حوله
المقدسات والرموز، فتفرد المكان بشرف اللقاء على كلمة سواء، كما شرف
بإمامة المصطفى عليه الصلاة والسلام لإخوانه المرسلين، ثم حواره معهم حول
الفروض الدينية والتكاليف والعبادات التي سارت عليها أمته في طريق الحق
والرشاد.
شرفها الله لأن كانت أولى القبلتين، لتظل ثالث الحرمين وأقدس البقاع
وأطهرها بعدهما، فظلت شامخة سامقة، تتحدى بقيمتها وقامتها كل محاولات
الطغيان والظلم على مدى فترات متباينة من عمر الزمان كانت خلالها موضعاً
للطامعين والأشرار، وظلت موضع اختبار لأهلها من المجاهدين الأخيار ممن
بذلوا في سبيل تحريرها السمين قبل الغث، والأرواح قبل الأبدان، فكان
سجلهم حولها حافلاً بالانتصارات التي لم تأت إلا من حصاد المكابرة والصبر
والجلد والمثابرة والإصرار علي نصرة الحق دون سواه.
عزيزة عاشت القدس ما ذاد عنها القوم، وهم يعتزون برموزهم الدينية التي
دشنها الفاروق - رضي الله عنه - بالعهدة العمرية، التي أمنت إخوان الأمة
من النصارى على عباداتهم وكنائسهم وصلبانهم وضمنت لهم الهدوء والأمن في
إقامة شعائرهم فكانت النظرة السامية في حوار الأديان، وجمع الأشقاء
والأصفياء بما ينطوي عليه الأمر من التوحد الإنساني رفيع المستوى بكل ما
يعكسه من مبادئ الإخاء والمساواة، وما ينطق به من وحدة الربوبية
والألوهية، والتقاء العباد على طاعة الخالق سبحانه وإقامة شعائره في
الأرض المقدسة الآمنة.
ولو لم يكن للقدس الشريف سوى ما شهده حفل افتتاح الندوة الدولية الأخيرة
لتوثيق عروبة القدس من مصادرها التاريخية لكفاه شرفاً أنه ظل شاخصاً في
ضمير القوم، باعثاً فيهم كل صور الجسارة والشجاعة للتنادي بضرورة البحث
عن طوق النجاة ماثلاً في توحد الأمة ضد كل مزايدات الطغاة، ومحاولات
التلاعب بحقائق التاريخ التي تظل شاهدة للحق على حساب زيف الباطل وإن طال
مداه!
كانت الندوة الدولية بمثابة صحوة طيبة على أرض الكنانة الطاهرة وفي بيت
العرب الأصيل، ومن خلال دار الكتب والوثائق المصرية العريقة في مشاركة
فاعلة مع وزارة الشئون الدينية والأوقاف الفلسطينية ومؤسسة إحياء التراث
والبحوث الإسلامية بالقدس، حيث دفعت المصائب المصابين إلى التلاقي
الوجداني والعقلي على كلمة سواء، تجلى معيارها في ومضة البحث عن آليات
الخلاص، وتحرير البلدة القديمة مما يراد لها من تدمير، وتحرير الأقصى
المبارك من كل مؤامرات الخبث ومحاولات التدنيس وطمس الهوية العربية
الإسلامية للقدس، ومحاولة إيقاف تداعيات صيغ العدوان المتجدد عليها عبر
محاولات تهويد المدينة المقدسة!!
الاحتكام إلى التاريخ ومنطق العقل والرشاد، ومحاولة إيقاظ ضمير العالم
بحثاً عن الشرعية اعتماداً على شواهد الحق في ظل سيادة منطق القوة والطغيان
مطلب أساسي للمكاشفة وتعزيز تجليات الحق أيا كان أمد الباطل الذي لابد أن
يعرف سبيله إلى السقوط والانتهاء.
الاحتكام إلى التاريخ لا يعني ضرباً من الاستكانة ولا نذيراً بالخمول بقدر
ما يستدعيه من تقوية العزائم، وتنشيط الهمم، وتعظيم دوافع اليقظة
العربية التي شخصت في رموز الحضور من كل البلاد العربية والإسلامية في
محاولات صادقة وجادة لإعادة قراءة الواقع بكل رداءته وقبحه وسوئه وسلبياته
ومحاولة الاندفاع إلى رسم صورة المستقبل في ظل منطق الحتم التاريخي الذي
يفرض على الأمة أن تتجاوز مرحلة التشرذم والتشتت والانقسام العارض،
للدخول في مرحلة التكتل التي تفرضها الفترة بكل تداعياتها، على نحو ما
تجسده تجارب الأمم والشعوب في السياق العصري، فليس ثمة خيار بديل لطلب
توحد أممي في مواجهة التكتلات، وهو التوحد الواجب في مواجهة الانتهاكات
وامتهان الحرمات، ومحاولة المساس بالمقدسات، أو استغلال الفترة لترويج
المغالطات التي تكشفها فعاليات مثل هذه الندوة التي جاءت موفقة زماناً
ومكاناً توفيقها علماً ومنهاجاً بما قد يعيد الإنسانية إلى صوابها، والحق
إلى أهله ومنازله وذويه ونصابه.
تبقي القدس أعلى من مستوى ندوة ولو دولية، والصحيح أن تتحول الندوة إلى
مدخل لمؤتمر دولي موسع ومشروع عالمي أكثر رحابة وانفتاحاً، لعله يحقق
للإنسانية ما نتمناه من السلام والتنمية في سياق عادل يكون الأساس فيه
الأخذ بصحيح التاريخ وتجاوز الزائف منه، والأساس الآخر في اللجوء إلى
التحكيم من خلال الوثائق التاريخية والاحتكام إلى النصوص المؤكدة لعروبة
القدس وإسلاميتها ولو كره ذلك خصوم الحضارة وأدعياء السلام.
أعلى
مسؤولية المسلمين في تحرير القدس والمسجد الأقصى
عبد القادر بن محمد العماري
صحيفة الشرق
القطرية 11/4/2005
المسجد الأقصى
من مقدسات المسلمين وهو في أرضهم فالقدس التي فيها المسجد الأقصى من بلاد
المسلمين وقد احتلها الصليبيون تسعين عاماً حتى حررها صلاح الدين الأيوبي
من أيديهم.
وفي أيام
السلطان عبد الحميد جاء إليه هرتزل مؤسس الصهيونية وعرض عليه الملايين من
العملة الذهبية الصعبة ليتخلى عن فلسطين والقدس وقال قولته المشهورة
«ليحتفظ اليهود بملاينهم من الذهب إن البلاد ليست ملكي إنها ملك شعبي
المسلمين المنتشرين في العالم والذين رووا تربتها بدمائهم وإن عمل المبضع
في بدني لأهون على من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي» وبعد ذلك
مباشرة تحرك المتآمرون في الشرق والغرب لخلع السلطان عبد الحميد وللإجهاز
على الدولة العثمانية فكان هناك الماسونيون في جمعية الاتحاد والترقي وكان
هناك بعض العرب الذين وقفوا إلى جانب البريطانيين بعد ثلاثة عشر يوماً فقط
من حصول اليهود على وعد بلفور ودارت المعركة حول مدينة القدس وسقط فيها
خمسة وعشرون ألف شهيد وجريح من جنود الخلافة المسلمين وسقطت فلسطين والقدس
بيد البريطانيين بمساعدة بعض العرب واليهود وبلغت قمتها عندما انهزم العرب
الأشاوس 1967م واستولت "إسرائيل" على فلسطين والقدس كاملة والآن تحاول
"إسرائيل" أن تقضي على المسجد الأقصى وتمنع الفلسطينيين من الصلاة فيه
ويزعم الصهاينة أنه لا حق للعرب والمسلمين في القدس والمسجد الأقصى لقد آن
الأوان لأن تتوحد الكلمة وأن يجاهد كل المسلمين من أجل تحرير فلسطين ومنع
اليهود من الاستيلاء على المسجد الأقصى.
إن المسلسل
البطولي الذي يقوم به الشعب الفلسطيني الآن هو البداية الصحيحة لتحرير
فلسطين من أيدي الغاصبين، والذي يجب على المسلمين والعرب أن يدعموا هذا
الشعب البطل بكل الإمكانيات لتستمر المقاومة للاحتلال وقد رأينا الانتفاضة
حققت عملاً كبيراً في مقاومة الاحتلال وإخافة الغاصبين ورأينا العمليات
الاستشهادية التي قام بها أبطال من شباب الشعب الفلسطيني، ونحن إذ نحيي
أولئك الشباب في فلسطين الذين يخوضون الجهاد ويضحون بأرواحهم فإننا نطالب
كل العرب والمسلمين أن يشدوا من أزرهم أمام هذا العدو المتغطرس حتى تكون
فلسطين مقبرة للصهاينة لا وطناً لهم كما أرادوا وليس ذلك مستحيلاً، فقد
وردت الأحاديث النبوية الشريفة تنبئ أن ذلك سيكون بإذن الله «حتى يقول
الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي ورائي تعال فاقتله» وسواء أكان قول الحجر
أو الشجر بلسان المقال أو بلسان الحال.
لقد جاء أولئك
اليهود من مختلف دول العالم بمساعدة الدول الكبرى ليغتصبوا أرضاً ليست
أرضهم ويطردوا شعباً من أرضه، لقد مضت أكثر من خمسين سنة على اغتصاب أرض
فلسطين ومازالت القضية حية لم تموت ولن تمت طالما أن هناك عقيدة رفض اليأس
والاستسلام «إنه لا ييأسُ من رَّوْحِ الله إلا
القوم الكافرون».
إن دول العالم
كلها لن تستطيع أن تمنع الشعب الفلسطيني أن يحرر أرضه، ولابد أن يأتي اليوم
الذي تعجز فيه الولايات المتحدة أن تمد "إسرائيل" بالحياة فإسرائيل جسم
غريب في المنطقة لا يعيش إلا بأنبوب ممتد من أمريكا يمده بالأوكسجين وسيقطع
هذا الأنبوب أو يتلف عاجلاً أو آجلاً، لأنه مؤقت بطبيعته ولا بقاء إلا
للأصل الذي تغذيه تيارات أصيلة قوية متدفقة من نهر لا ينضب، هو نهر الحق
والإيمان، ونقول للشعب الفلسطيني إن قلوب الملايين من العرب والمسلمين معك،
قدرك قدرهم وعزتك عزتهم ونصرك نصرهم لن تستطيع أي قوة في الأرض أن تفصلك
عنهم مهما أقام الظالمون من الحواجز والحدود والترسانات، فلابد أن تتدفق
سيول المجاهدين من كل حدب وصوب، ولابد أن تتحرك جحافل الحق لتحطم تلك
الحواجز فيكون القضاء المبرم على عصابات الإجرام «ويومئذ يفرح المؤمنون
بنصر الله» وعندئذ سنقول: شاهت الوجوه
«وما رميت
إِذْ رميتَ ولكنَّ اللهَ رمى».
لقد أثبت
الشعب الفلسطيني أنه لا ينام على الضيم فبالرغم من كل حملات التضليل
المركزة من الأجهزة الصهيونية والتأييد المستمر من القوى العظمى وعلى رأسها
الولايات المتحدة للكيان الصهيوني، وعلى الرغم من كل المحاولات لطمس شخصية
الشعب الفلسطيني وإذابتها لن تفلح تلك المحاولات في جعل الشعب الفلسطيني
يستسلم للواقع، وعلى الرغم من كل القهر والقمع والاضطهاد فإن روح الجهاد لم
تخمد وأنى لها أن تخمد وقد حملت الراية سواعد فتيان ممتلئة بروح الإيمان
ونفوس قد اختارت الشهادة طريقاً إلى الجنة ولم تعد الحياة عندها ذات قيمة
في ظل القهر والظلم والجبروت، ولا يخفى أن السر في استمرار هذه الانتفاضة
هو أنها قضية لله وما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
لقد آن الأوان
أن تتوحد الكلمة من أجل أن تؤتي الانتفاضة ثمارها ولن يكون ذلك إلا
بالتضحية وتوعية الشعوب الإسلامية لتؤدي دورها في تحرير فلسطين والمسجد
الأقصى، فإن المسلمين قاطبة يشتاقون إلى اليوم الذي يعلن فيه الاستعداد
العام للجهاد لتحرير المقدسات، فقد آن الأوان أن نميز بين الحق الناصع
والباطل الخادع، ولا طريق لتحرير فلسطين إلا طريق الجهاد المقدس، تحشد له
كل الإمكانيات في البلاد العربية والإسلامية ويقف المسلمون جميعهم وقفة
واحدة خلف المجاهدين يؤازرونهم في جهادهم، لقد عرف الشعب الفلسطيني طريقه
وإن شعار الله أكبر هو الكفيل بأن يلهب مشاعر الجماهير لتخوض الجهاد من غير
وجل عندما يذكر المسلم أو يسمع اسم القدس يتذكر ثلاث شخصيات: عمر بن الخطاب
الذي قال: لقد أعزنا الله بالإسلام ومهما طلبنا العزة في غيره أذلنا الله،
وقد فتح القدس وأَمَّنَ سكان بيت المقدس بمختلف أديانهم ورفع راية الإسلام.
والشخصية
الثانية صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من أيدي الصليبيين بعد أن
احتلوها تسعين عاماً، والسلطان عبد الحميد الذي جاء إليه هرتزل مؤسس
الصهيونية وعرض عليه الملايين من العملة الذهبية الصعبة ليتخلى عن فلسطين
والقدس، فقال قولته المشهورة: «ليحتفظ اليهود بملايينهم من الذهب، إن
البلاد ليست ملكي ولكنها ملك المسلمين جميعاً المنتشرين في العالم والذين
رووا تربتها بدمائهم إن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد
بترت من إمبراطوريتي».
والآن آن
للمسلمين أن يتحركوا على خطا صلاح الدين ويعيدوا القدس وفلسطين إلى العرب
والمسلمين، فالقدس تناديكم يا مسلمون ولا حل للقضية إلا الجهاد
«انفروا خِفَافاً وثِقَالا وجاهدوا بأموالكم
وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون» التوبة: 41.
فيجب على
المسلمين أن يجاهدوا قبل أن يقوم الإسرائيليون بهدم المسجد الأقصى وقد
رأينا علامات ذلك في أقوالهم وأفعالهم ورأينا كيف بيعت أرض القدس من قبل
بعض الأرثوذكس لليهود بما فيها ميدان عمر بن الخطاب فأين أنتم أيها
المسلمون.
أعلى
ماذا يقول القانون الدولي عن القدس؟
حسين معلوم
صحيفة الوطن القطرية 30/10/2003
قبل الحديث عن الوضع الدولي لمدينة القدس، بعد الاحتلال الإسرائيلي لها.
لابد من الإشارة بداية إلى الوضع القانوني الدولي. الخاص. الذي ظل يحكم
مدينة القدس. فقد ظلت المدينة محكومة بالقواعد الخاصة بحماية الأماكن
المقدسة. التي أوردتها العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية. منها على
سبيل المثال، اتفاقية «لاهاي» لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية
والدينية في أثناء المنازعات المسلحة؛ والإعلان العالمي لحقوق الإنسان
الصادر عام 1948 (وهما الممهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية،
وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الصادران عام 1966).
كذلك، يأتي الملحقان الإضافيان لاتفاقيات جنيف الأربع (الموقعان عام 1977)؛
واتفاقية فيينا لعام 1983، بشأن خلافة الدول في الممتلكات، والتي أضفت
حماية قانونية خاصة على المقدسات الدينية.
هذا فيما يتعلق بالوضع القانوني الدولي الخاص. الذي يحكم مدينة القدس.. أما
فيما يخص وضع المدينة، كمدينة ذات طابع ديني متميز، لكونها تضم المقدسات
الدينية وأماكن العبادة لكل من المسلمين والمسيحيين واليهود فقد ظلت
المدينة، وعبر مراحل تاريخها المختلفة، مفتوحة دائماً أمام الجميع من أتباع
الديانات السماوية الثلاث.. فمثلاً بناء على معاهدتي: باريس (عام 1856)،
وبرلين (عام 1878)، بين الدولة العثمانية والدول الأوروبية. واللتين تم
التوكيد فيهما على ما تضمنه الفرمان العثماني (الصادر عام 1852) بشأن:
«احترام كل طائفة دينية في الإشراف على أماكن عبادتها في القدس».. أيضاً.
تم تأكيد الحقوق ذاتها في «صك الانتداب على فلسطين». وعلى ألا يتم تغيير
الوضع القائم في المدينة إلا بموافقة جميع الأطراف.
أما فيما يتمحور حول قواعد القانون الدولي بشأن الاحتلال العسكري، فإن هذه
القواعد لا تخول دولة الاحتلال إلا سلطات محدودة من أجل تمكينها من إدارة
الإقليم الخاضع لها.. وهذا يعني ضمنياً بطلان أي إجراءات تشريعية أو إدارية
تقوم بها سلطات الاحتلال لتغيير الأمر الواقع في الإقليم المحتل، وهو ما
ينطبق بطبيعة الحال على الوضع في مدينة القدس.
في
إطار هذه الأمور الثلاثة.. فقد أضحى القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم
المتحدة (29 نوفمبر 1947). الشهير بعنوانه: «قرار التقسيم». والشهير برقمه:
«181».. (أضحى) المظلة الدولية القانونية لمستقبل فلسطين بعد انتهاء
الانتداب البريطاني (في: 15 مايو 1948).
وبناء على قرار التقسيم هذا. كان من المفترض أن تقسم فلسطين إلى ثلاثة
أقسام: قسم تنشأ عليه دولة فلسطينية.. وقسم تنشأ عليه دولة يهودية.. ثم
يأتي القسم الثالث: القسم الذي - -كان مفترضاً أن - يقام عليه كيان منفصل.
يخضع لنظام دولي خاص. وتتولى الأمم المتحدة إدارته. ويتألف هذا «الكيان»
(الخاص). من مدينة القدس. التي تشتمل حدودها على: «بلدية القدس الحالية.
مضافاً إليها القرى المجاورة وأبعدها شرقاً أبو ديس. وأبعدها جنوباً بيت
لحم. وأبعدها غرباً عين كارم. وتشمل معها المنطقة المبنية من منطقة قالونيا»
(.. تم تحديد هذه المشتملات في خريطة ألحقت بقرار التقسيم).
إلا أن هذا «النظام الدولي» أو: «تدويل» القدس بالأحرى، لم ير النور
لمعارضة كل من البلدان العربية وإسرائيل له.. ولم ينفذ من قرار التقسيم.
إياه إلا الجزء الخاص بـ «إقامة الدولة اليهودية». وهي الدولة التي قامت
على رقعة أكبر من ما ورد في القرار. ومحتلة من القدس كل ما يعرف بـ «القدس
الغربية». أي: القسم الأكبر من القدس.
وأما الدولة الفلسطينية. فلم تقم أساساً.. وتوزعت بقية الأراضي الفلسطينية
بين الأردن: الذي ضم إليه الضفة الغربية والقدس الشرقية (أي: القدس
التاريخية داخل السور. قدس المقدسات). وبين مصر: التي أصبحت مسؤولة عن
إدارة قطاع غزة. وبين سوريا: التي أصبحت مسؤولة عن منطقة الحمة.
وهكذا. نشأ وضع «قانوني/واقعي» في فترة ما بين الحربين «1948 - 1967»؛
فتوزعت السيادة على مدينة القدس بين "إسرائيل" والأردن.. ولم يعد قرار
التقسيم بالنسبة إلى القدس. وارداً لدى أي من الفريقين العربي والإسرائيلي.
|