Thursday, 15 May 2008

 

 

 

تاريخ العملات في فلسطين

تعتبر النقود من الوثائق الهامة والحيوية في أية معادلة اقتصادية ومالية وهي جزء من علم قائم بذاته هو "علم النميات" Numismatics في عالمنا المعاصر. وهي تفصح عن دلالات عدة لهوية الأمة التي قامت بسكها، وتفسر العديد من جوانب حضارتها ممثلة في أمجادها التاريخية وفعاليتها السياسية والاقتصادية تماماً كما تكشف عن أبعادها الجغرافية ووزنها المالي وثقلها الدولي وقسماتها الفنية وكما تعبر بمأثوراتها المنقوشة عليها عن معتقداتها ونسيج حياتها الاجتماعية وقدرات أبنائها العلمية في كيفية اكتشاف المعادن وسبل استعمالها وطريقة مزجها وصهرها وما تتخذه من قوالب متنوعة للسك وكفاءة حرفييها في إخراجها إخراجاً متقناُ. إذاً، فالنقود تمدنا بالتاريخ الحضاري للأمة بمعناها الشمولي.

وبحكم موقع فلسطين الاستراتيجي جغرافياً في قلب العالم القديم والحديث، وبفضل موضعها "المقدس" في كبريات الشرائع الدينية، كثيراً ما تعرضت لتقلبات سياسية تمخضت بطبيعة الحال عن اعتداءات وغزوات استعمارية هدفها السيطرة على هذه البقعة "عقدة المواصلات" وجسر الاتصالات ومهبط الرسالات متوسلة شتى الادعاءات. فمنها " الدين" أحياناً تجنياً عليها ومجافة للحقيقة.. إلا أن جميعهم ارتدوا من حيث أتوا وبقى أهلها متمسكين بالأرض بالرغم من كل ما عانوه من ويلات.

وأخر هذه الغزوات الحملة الصهيونية التي اتخذت من "الدين" شعاراً لها ومن حقبة وجيزة من التاريخ لم تتجاوز السبعين عاماً وسيلة لأناس عاشوا حياة البداوة على جزء من الأرض وسط شعب حضاري عاش على كامل مساحتها لألاف السنين واتخذوا من لغته وثقافته وحضارته ثقافة لهم واستنبطوا من الهوية العنصرية ديناً لهم، متناسين من عاشوا عليها قبلهم عبر الاف السنين من سكان المنطقة من الأموريين والكنعانيين والفينيقيين الفلسطينيين والعرب – أي كانوا من جملة من استوطنوا هذا المعجم التاريخي الحضاري الذي عرفته فلسطين باتصال تاريخي مستمر لآلاف السنين تبنى الحضارات المتعاقبة عليها دون انقطاع.

وكل محاولات طمس الحقائق التاريخية وتحريف الكلام لم تنفع لتغيير الحقائق التاريخية. فقد أظهرت الحفريات بأن هناك حضارات أهم بكثير مرت على أرض فلسطين ودمغتها بطابعها المميز. وكانت السبب الرئيسي الذي جعل منها مهداً للأديان ومنارة لشعوب الأرض لا مثيل له في العالم. فالحضارات المشرقية من كنعانية وفينيقية ونبطية وفلسطينية وفرعونية وأشورية وفارسية وهكسوسية بالرغم من الحقبات الغربية من يونانية ورومانية وبيزنطية التي عاشت فيها ما يقارب العشرة قرون لم تتمكن من إزالة هويتها وما فتأت أن عادت مشرقية إسلامية مسيحية وعربية وصولاً إلى الحقبة العثمانية والانتداب البريطاني الذي أفرز الكيان الصهيوني الجاثم على أرض فلسطين منذ العام 1948.

كانت المدن/ الممالك الكنعانية والفلسطينية من أوائل الممالك في منطقة الشرق الأوسط التي سكت فيها النقود نظراً للنفوذ الذي كانت تتمتع به بحكم نشاطها التجاري الواسع كونها كانت همزة الوصل على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط بين خطوط القوافل المتنقلة بين شبه الجزيرة العربية والشرق الأقصى وبلدان حوض البحر المتوسط وبالأخص مصر واليونان.

سيتم في هذا المقال تبيان أثر النقود ،حيث سنبدأ بمدخل تاريخي موجز للإثباتات الأثرية التي تظهر كيف أن أهل فلسطين ضربوا النقود منذ أكثر من ألفي وخمسمائة عام كإثبات راسخ لوجودهم. وكدليل ساطع على المكانة الهامة التي كانوا يتمتعون بها في العالم القديم، حيث أن جميع هذه النقود حملت اسم فلسطين ومدن فلسطين في مدى زمني لم يضاهه فيها أية أمة وعلى مساحة أرض واسعة.

سيتم تناول المواضيع كالتالي:

1-

النقود العربية الفينيقية أيام الفرس 538 – 332 ق.م

2-

سك النقود اليونانية في فلسطين 320 – 63 ق.م

3-

سك النقود الرومانية في المدن الفلسطينية 63 ق.م – 395 م

4-

الحقبة البيزنطية ونقودها المتداولة في فلسطين 365 م – 632 م

5-

النقود العربية في العصر الإسلامي 632 م – 1516م

 

أ-

النقود في العصر الأموي.

 

ب-

النقود في العصر العباسي.

 

ج-

النقود في العصر الأيوبي والمملوكي.

 

د-

نقود الحقبة العثمانية.

 

ه-

النقود المصرية في فلسطين في مرحلة الانتقال.

أولاً: النقود العربية الفينيقية في غزة

سيطر الفرس على بلادنا قرابة قرنين من الزمان نجحوا خلالهما بفضل خبرتهم الإدارية وحنكتهم السياسية والاقتصادية من حكم البلاد هذه الحقبة الطويلة، وكانت النقود المستخدمة في تلك الحقبة " الداريق" وهي نقد ذهبي، كما ضربت نقود فضية كانت تدعى سجلوس بمعنى "شاقل"، واستخدمت هذه العملة في فلسطين كعملة قانونية وشرعية: وكان وجه النقد الذهبي يظهر عليه الملك الفارسي ذو اللحية معتمراً على رأسه التاج ، مرتديا "الكانديس" أي السروال، ويظهر على هيئة راكع مستعد للجري وعلى كتفه الايسر مجموعة من النبل وبيده اليسرى قوس وبيمناه رمح.

ثانياً: سك النقود اليونانية (البطلمية والسلوقية) في فلسطين 320 – 63 ق.م :

عند استيلاء الاسكندر الاكبر على بلادنا في عام 332 ق.م ضرب نقودا لها تصميمها الخاص، واستخدم موازين ومقاييس أثينية، حيث شاعت في فلسطين على مدى ربع قرن 332 – 306 ق.م نقود ذهبية تدعى "ستيتر" وفضية ذات وحدات مختلفة منها "التترادارخما"، أي الأربع دارخمات (الشكل 1)،

 والدراخما، ونصف الدراخما بالإضافة إلى المسكوكات البرونزية والنحاسية.

بعد موت الاسكندر الاكبر انقسم قادته على انفسهم بطالمة في مصر، وسلوقين في بلاد الشام، واصبحت فلسطين بحكم موقعها بين المطرقة والسندان. وفي هذه الحقبة البلطمية- السلوقية ضربت النقود في أربع مدن فلسطينية هي غزة (الشكل 2)

وعسقلان (الشكل 3 )

 ويافا (الشكل4 ) وعكا .

 

ثالثاً: سك النقود الرومانية في المدن الفلسطينية:

من أشهر المدن الفلسطينية كانت:

رفح: حيث سكت نقوداً تعود الى نهاية القرن الثاني الميلادي وعليها اسمها وتعود للامبراطور سيفروس الجبانوس وأخرى للامبراطور أورليس.

غزة: ضربت نقودها طيلة الحقبة الرومانية ،وقد عثر على الكثير منها في غزة وما حولها دلالة على ما كانت تتمتع به من انتعاش اقتصادي وتجاري (الشكل 5)

 و (الشكل 6 ) .

عسقلان: سكت عسقلان نقودها على الطراز الروماني، وقد تميزت نقودها بظهور السفن العسكرية تقف فوقها أحيانا بعض الالهة، كما ظهر العديد من الرموز مثل سعف النخيل وبعض الطيور والمذارة..الخ.( الشكل 7 )

وهكذا وبالنمط نفسه ضربت كل من مدن يافا وقيسارية ودورا وعكا وبيت جبرين كذلك ايلياء (القدس)، هذا بالاضافة إلى سك النقود في مدن طبريا وبيسان وسبسطية. (الاشكال  8-9-

10-11-12-13 ).

 


التالي أعلى  

 

 
 

جميع الحقوق محفوظة © موقع أنصار القدس